محمود محمد الحنطور
17
النسخ عند الفخر الرازي
وهيئة جميلة ، إذا ركب مشى معه نحو ثلاثمائة مشتغل على اختلاف مطالبهم في التفسير والفقه والكلام والأصول والطب وغير ذلك ، فكان فريد عصره ، ومتكلم زمانه » « 1 » وكلام الذهبي يغنى وإن كان النص فيه مبالغة ، لكنها مقبولة في زمن كاد فيه العالم أن يكون رسولا ، يأخذ الناس عنه ، ويتعلم الجميع منه وبخاصة تلك البلاد المحبة للدين ، المتعطشة للحكمة والفلسفة . والرازي من بيت علم ، وصاحب علم ، فلا مانع من ملاحقة طلبة العلم له ، في كل وقت كي ينالوا مما عنده ، ويزدادوا مما حباه اللّه تعالى به من علوم وفنون مجتمعة في شخص واحد ، وهي ميزة ينفرد بها القلائل من العلماء ، والأفذاذ من الرجال ، ومن هنا فقد صدق من سماه « 2 » بإمام الدنيا في عصره ، وحق له ذلك وزيادة ، فسبحان اللّه القائل : فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً [ الشرح : 5 ، 6 ] ، ولن يغلب عسر واحد يسيرين أبدا ، والرازي أهل للخير والعلم ، فجمع اللّه تعالى له بين الثراء المادي والعلمي كي يتفرغ للعلم والدفاع عن الدين بما أوتى من ذكاء وفطنة ورجحان عقل ، وغلبة حجة على المارقين عن الإسلام والخارجين عن طاعة اللّه تعالى ، وذلك من خلال الحكمة والموعظة الحسنة : ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [ النحل : 125 ] .
--> ( 1 ) الذهبي : العبر 3 / 143 . ( 2 ) ابن الأثير : الكامل 9 / 302 .